مقامات بديع الزمان الهمذاني · بديع الزمان الهمذاني

Chapter 46: المقامة الصفرية

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ القُفُولَ مِنَ الحَجِّ، دَخَلَ إِلَيَّ فَتَىً فَقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ مِنُ نِجَارِ الصُّفْرِ، يَدْعُو إِلَى الكُفْرِ، وَيَرْقُصُ عَلى الظُّفْرِ، وَقَدْ أَدَّبَتْهُ الغُرْبَةُ، وَأَدَّتْنِي الحِسْبَةُ إِلَيْكَ، لأُمَثِّلَ حَالهُ لَدَيْكَ، وَقَدْ خَطَبَ مِنْكَ جَارِيَةً صَفْرَاءَ، تُعْجِبُ الحَاضِرينَ، وُتُسِرُّ النَّاظِرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ يَنْجُبُ مِنَهما وَلَدٌ يَعُمُّ البِقاعَ وَالأَسْمَاعَ، فَإِذَا طَوَيْتَ هَذا الرَّيْطَ، وثَنَيْتَ هَذا الخَيْطَ، يَكُونُ قَدْ سَبَقكَ إِلى بَلدِكَ، فَرَأْيَكَ فِي نَشْرِ مَا فِي يَدِكَ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَعَجِبْتُ مِنْ إِيرَادِهِ، وَلُطْفِهِ فِي سُؤَالِهِ، وَأَجَبْتُهُ فِي مُرادِهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

المَجْدُ يُخْدَعُ بِاليَدِ السُّفْلِـى *** وَيَدُ الكَرِيمِ وَرَأْيُهُ أَعْلَى.