ألف ليلة وليلة: الجزء الثالث

Chapter 60: الليلة الثانية بعد المئة

قالت شهرزاد :

بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان :

وقالت الجارية الخامسة لوالدك :

فدخل موسى على شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال شعيب لموسى :

يا موسى إني أريد أن أعطيك أجر ما سقيت لهما .

فقال موسى :

أنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة .

فقال شعيب :

يا شاب ولكن أنت ضيفي وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام .

فجلس موسى فأكل ، ثم إن شعيباً استأجر موسى ثماني حجج أي ثماني سنين وجعل أجرته على ذلك تزويجه إحدى ابنتيه وكان عمل موسى لشعيب صداقاً لها كما قال تعالى حكاية عنه :

أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تؤجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك .

وقال رجل لبعض أصحابه وكان له مدة لم يره :

إنك أوحشتني أني ما رأيتك منذ زمان .

قال :

اشتغلت عنك بابن شهاب أتعرفه ?

قال :

نعم هو جاري منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه .

قال له :

إنك نسيت الله فنسيت جارك ولو أحببت الله لأحببت جارك ، أما علمت أن للجار علي حقاً كحق القرابة ?

وقال حذيفة :

دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم وكان شقيق البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في الطواف فقال إبراهيم لشقيق :

ما شأنكم في بلادكم ?

فقال شقيق :

إننا إذا رزقنا أكلنا وإذا جعنا صبرنا .

فقال :

كذا تفعل كلاب بلخ ولكننا إذا رزقنا آثرنا وإذا جعنا شكرنا .

فجلس شقيق بين يدي إبراهيم قال له :

أنت أستاذي .

وقال محمد بن عمران :

سأل رجل حاتماً الأصم فقال له :

ما أمرك في التوكل على الله تعالى ?

قال :

على خصلتين ، علمت أن رفاقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به وعلمت أني لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه .

ثم تأخرت الجارية الخامسة وتقدمت العجوز وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات وقالت :

قد سمعت أيها الملك ما تكلم به الجميع في باب الزهد وأنا تابعة لهن فاذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين .

قيل :

كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقسم الليل ثلاثة أقسام :

الثلث الأول للعلم والثاني للنوم والثالث للتهجد .

وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال الآخران : إن هذا يحيي الليل كله .

فلما سمع ذلك قال :

إني أستحي من الله أن أوصف بما ليس في .

فصار بعد ذلك يحيي الليل كله .

وقال الربيع :

كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة كل ذلك في الصلاة .

وقال الشافعي رضي الله عنه :

ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين لأن الشبع يقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن القيام .

وروي عن عبد الله ومحمد السكري أنه قال :

كنت أنا وعمرة نتحدث فقال لي :

ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي .

واتفق أنني خرجت أنا والحرث بن لبيب الصغار وكان الحرث تلميذ المزني وكان صوته حسناً فقرأ قوله تعالى :

هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون .

فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطراباً شديداً وخر مغشياً عليه فلما أفاق قال :

أعوذ بالله من مقام الكذابين وأعراض الغافلين اللهم لك خشعت قلوب العارفين ، اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك وجملني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك .

ثم قمت وانصرفت .

وقال بعض الثقات :

لما دخلت بغداد كان الشافعي بها فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان فقال لي :

يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة .

فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفوا أثره فالتفت إلي وقال :

هل لك من حاجة ?

فقلت :

نعم تعلمني مما علمك الله تعالى .

فقال :

اعلم أن من صدق الله ونجا ومن نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غداً أفلا أزيدك ?

قلت :

بلى .

قال :

كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة راغباً واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين .

ثم مضى فسألت عنه فقيل لي :

هذا الإمام الشافعي .

وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول :

وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء .

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .