توارى النهار وقَدِمَ الليلُ ناشرًا خيالاته بين تلك الأكواخ المكتنفة بالثلوج، وظهرت النجوم في ذلك الفضاء المظلم البارد ظهور الأمل بالخلود من وراء أوجاع النزاع والموت، فأوصد الفلاحون الأبواب والنوافذ وأشعلوا السراج وجلسوا يصطلون بقرب الموقد غير حافلين بأشباح الليل السائرة حول بيوتهم.
في تلك الساعة بينما كانت راحيل وابنتها مريم وخليل جالسين حول مائدة خشبية يتناولون العشاء طرق الباب ودخل عليهم خدام الشيخ عباس، فالتفتت راحيل مذعورة
١٤١
وشهقت مريم مرتاعة أما خليل فلبث هادئًا كأن نفسه الكبيرة قد تنبأت وعلمت بمجيء هؤلاء الرجال قبيل مجيئهم، فاقترب أحد الخدام وألقى يده بعنف على كتف خليل وقال بصوت أجش «ألست أنت الشاب المطرود من الدير؟» فأجابه خليل ببطء: «أنا هو فماذا تريدون»
فقال الرجل «نريد أن نسير بك مكتوفًا إلى منزل الشيخ عباس وإن أبديت ممانعة نجرك على الثلج كالخروف المذبوح»
فانتصبت راحيل وقد اصفر وجهها وتجعدت جبهتها وقالت بصوت مرتجف «أي ذنب أتاه أمام الشيخ عباس ولماذا تريدون جره مكتوفًا»
وقالت مريم ونغمة الرجاء والاستعطاف تمازج صوتها «هو فرد وأنتم ثلاثة فمن الجبانة أن تتحالفوا على إذلاله وتعذيبه»
فصرخ الخادم وقد حمي غضبه «أيوجد في هذه القرية امرأة تعارض مشيئة الشيخ عباس» قال هذا
١٤٢
وانتشل من وسطه حبلًا متينًا وهم ليوثق به كتفي خليل، فوقف الشاب ولم تتغير ملامحه بل ظل رأسه مرفوعا كالبرج أمام الزوبعة وسالت على شفتيه ابتسامة محزنة ثم قال: «أنا أشفق عليكم أيها الرجال لأنكم آلة قوية عمياء في يد مبصر ضعيف يظلمكم ويسحق الضعفاء بسواعدكم، أنتم عبيد الغباوة، والغباوة هي أشد اسودادًا من بشرة الزنوج، وأكثر استسلامًا للحيف والقساوة، كنت بالأمس مثلكم أيها الرجال وغدًا تصيرون مثلي، أما الآن فبيننا هُوَّةٌ عميقة مظلمة تمتص ندائي وتحجب حقيقتي عنكم فلا تسمعون ولا تبصرون، ها أنذا فشدوا ساعدي وافعلوا بي ما شئتم»
سمع الرجال هذا الكلام فجمدت عيونهم واقْشَعَرَّتْ أبدانهم وبُهتوا بالشاب هنيهة كأن عذوبة صوته قد انتزعت الحركة من أجسادهم وأيقظت الميول العلوية الهاجعة في أعماق قلوبهم، ولكنهم عادو فانتبهوا كأن صدى صوت الشيخ عباس قد تململ في مسامعهم وذكَّرهم بالمهمة التي بعثهم من أجلها، فتقدموا وأوثقوا ساعدي الشاب، وخرجوا
١٤٣
به ساكتين شاعرين بشيء من الألم بين تلافيف ضمائرهم. فاتبعتهم راحيل ومريم ونظير بنات أورشليم عندما اتبعن يسوع إلى الجلجلة سارتا خلف خليل نحو منزل الشيخ عباس.