الأرواح المتمردة · جبران خليل جبران

Chapter 6: خليل الكافر — 3

في الجهة الشمالية من تلك القرية كوخ صغير منفرد بين الحقول تسكنه امرأة تدعى راحيل مع ابنتها مريم غير المتجاوزة الثامنة عشرة من سنيها، هذه المرأة هي أرملة سمعان الرامي الذي وُجِدَ قتيلًا في البَرِّيَّةِ منذ خمسة أعوام ولم يُعْرَفْ قاتله بعد.

4

٩٨

كانت راحيل مثل جميع الأرامل الفقيرات تعيش بالاجتهاد والعمل مخافة الموت والفناء، فكانت تخرج أيام الحصاد وتلتقط السنابل المتروكة في الحقل وفي أيام الخريف كانت تجمع فضلات الأثمار المنسية في البساتين وفي الشتاء كانت تغزل الصوف وتخيط الأثواب لقاء دريهمات قليلة أو مكيال من الذرة، وكانت جميع أعمالها مقرونة بالثبات والصبر والاعتناء، أما ابنتها مريم فكانت صبية جميلة هادئة تشاطر والدتها الأتعاب وتساهمها أعمال البيت.

ففي تلك الليلة المخيفة التي وصفناها كانت راحيل وابنتها جالستين بقرب موقد قد تَغَلَّبَ البرد على حرارته واكتنف الرماد جمره، وفوق رأسيهما سراج ضعيف يبعث أشعته الصفراء الضئيلة إلى قلب الظلمة مثلما تبعث

٩٩

الصلاة أشباح التعزية إلى كبد الفقير الحزين.

انتصف الليل والمرأتان جالستان تسمعان ولولة الأرياح خارجًا ومن وقت إلى آخر كانت الصبية تقف وتفتح الكوة الصغيرة وتنظر نحو الفضاء المظلم ثم تعود إلى مكانها مضطربة مرتعبة من غضب العناصر.

في تلك الدقيقة تَحَرَّكَتِ الصبية فجأة كأنها استيقظت من سبات نوم عميق والتفتت بوجل نحو أمها وقالت بسرعة «هل سمعتِ يا أماه، هل سمعت صوت صارخ مستغيث»

فرفعت الوالدة رأسها وأصغت هنيهة ثم أجابت: «لا لم أسمع سوى عويل الأرياح يا ابنتي»

فقالت الصبية «أنا قد سمعت صوتًا أعمق من هزيم الريح وأمرَّ من عويل العاصفة»

٠٠١

قالت هذه الكلمات وانتصبت واقفة وفتحت الكوة وأصغت دقيقة ثم قالت «قد سمعت الصراخ ثانية يا أماه»

فأجابت الأم وقد أسرعت مرتاعة نحو النافذة (وأنا قد سمعت أيضًا … تعالَيْ نفتح الباب وننظر … أوصِدِي النافذة كي لا تطفئ الريح السراج)

قالت هذا والتفَّت برداءٍ طويل وفتحت الباب وخرجت بقدم ثابتة وبقيت مريم واقفة في الباب والهواء يتلاعب بجدائل شعرها.

مشت راحيل بضع خطوات فالحة الثلج بقدميها ثم وقفت ونادت(من الصارخ = أين المستغيث) فلم يجبها أحد ثم رددت كلماتها هذه ثانية وثالثة وإذ لم تسمع غير صراخ الزوبعة تقدمت إلى الأمام بشجاعة ملتفتة إلى كل ناحية حاجبة وجهها من تموجات الريح العنيفة، ولم تسر

١٠١

رمية سهم حتى رأت أثر أقدام غارقة في الثلج قد أوشكت الأرياح أن تمحوها فاتبعتها بسرعة جازع مترقب وبعد هنيهة نظرت فرأت أمامها جسدًا مطروحًا على الثلج كرقعة سوداء على ثوب ناصع البياض، فتقدمت وذرت الثلج عنه وأسندت رأسه على ركبتيها ووضعت يدها على صدره وإذ شعرت بنبضات قلبه المتهاونة التفتت نحو الكوخ وصرخت قائلة(هلمي يا مريم هلمي إلى معونتي فقد وجدته)

فخرجت مريم من البيت متبعة أثر أقدام والدتها مرتعشة من البرد والخوف حتى إذا ما بلغت المكان ورأت الشاب المُلْقَى بلا حراك على الثلج تَأَوَّهَتْ وصرخت بلهفة وتوجع، فقالت الأم وقد وضعت يديها تحت إبطيه (هو حي فلا تخافي بل أمسكي بأطراف أثوابه وتعالي نحمله

١٠٢

إلى البيت)

حملت المرأتان الفتى والأرياح الشديدة تصدهما والثلوج تتمسك بأقدامهما حتى إذا ما بلغتا به الكوخ ألقتاه بجانب الموقد وأخذت الأم تفرك أعضاءه المتجلدة والابنة تجفف بأطراف ثوبها شعره البليل وأصابعه الباردة، فلم تمر بضع دقائق حتى عادت إليه الحياة فتحرك قليلًا وارتعشت أجفانه وتنهد تنهيدة عميقة بثت الأمل بنجاته في قلبي المرأتين الشفوقتين، فقالت مريم بعد أن حلت سيور حذائه المهشم وخلعت عباءته البليلة (انظري يا أماه انظري ملابسه فهى شبيهة بأثواب الرهبان) فالتفتت راحيل وقد وضعت في الموقد غمرًا من القضبان اليابسة وقالت مستغربة (إن الرهبان لا يخرجون من الدير في مثل هذه الليلة المخيفة فأي شيء يا ترى جعل هذا

١٠٣

المسكين يخاطر بحياته؟)

فقالت الصبية مستدركة (ولكن هو أمرد يا أماه وللرهبان لحى كثيفة) فنظرت إليه الوالدة وقد انسكبت الرأفة الوالدية من عينيها وقالت متنهدة(جففي قدميه جيدًا يا ابنتي راهبًا كان أم مجرمًا)

وفتحت راحيل الخزانة الخشبية وأخرجت منها جرة صغيرة مملوءة خمرًا وسكبت منها في إناء من الفخار ثم قالت لابنتها (أسندي رأسه يا مريم لنجرعه قليلًا من الخمر فينتعش وتعود الحرارة إلى جسده)

قربت راحيل حافة الطاس إلى شفتي الشاب وجرعته قليلًا ففتح عينيه الكبيرتين ونظر إلى منقذيه لأول مرة نظرة لطيفة محزنة قد انبعثت مع دموع الشكر ومعرفة الجميل= نظرة من شعر بملامس الحياة بعد أن كان بين

١٠٤

مخالب الموت- نظرة الأمل بعد اليأس. ثم ألوى عنقه وخرجت هذه الكلمات من بين شفتيه المرتعشتين (ليبارككما الله)

فقالت راحيل وقد وضعت يدها على كتفه (لا تزعج نفسك بالكلام يا أخي بل ابْقَ صامتًا حتى تعود إليك القوة)

وقالت مريم (اتكئ يا أخي إلى هذا المسند واقترب قليلًا من الموقد)

فاتكأ الشاب متنهدًا وبعد دقيقة ملأت راحيل الطاس خمرًا وسقته ثانية ثم التفتت نحو ابنتها وقالت (ضعي جبته بقرب النار لتجف) ففعلت مريم ثم جلست تنظر إليه بحنو وشفقة كأنها تريد أن تبث بنظراتها الحرارة والقوة في جسده النحيل.

١٠٥

وأحضرت راحيل إذ ذاك رغيفين من الخبز وقصعة مملوءة دبسًا وطبقًا عليه بعض الثمار المجففة وجلست بجانبه تطعمه بيدها لقمًا صغيرة مثلما تفعل الأم وطفلها، حتى إذا اكتفى من الطعام وشعر بشيء من النشاط استوى جالسًا على البساط فانعكست أشعة النار الوردية على وجهه المصفر، وتلمعت عيناه الحزينتان ثم قال هازًّا رأسه بهدوء (الرحمة والقساوة تتصارعان في القلب البشري مثلما تتحارب العناصر في فضاء هذه الليلة المظلمة، ولكن سوف تتغلب الرحمة على القساوة لأنها إلهية وسوف تمر مخاوف هذه الليلة بمجيء النهار) وسكت الشاب دقيقة ثم زاد بصوت منخفض يكاد لا يُسمع (يد بشرية دفعتني إلى الهوان ويد بشرية خلصتني فما أشد قساوة الإنسان وما أكثر رأفته)

١٠٦

فقالت راحيل بصوت تمتزج بمقاطعه عاطفة الأمومة بعذوبة الطمأنينة(كيف تَجَرَّأْتَ يا أخي وتركت الدير في هذه الليلة التي تخافها الذئاب وتنزوي بالكهوف وتهابها العقبان فتختبئ بين الصخور؟)

فأغمض الشاب عينيه كأنه يريد أن يعيد بأجفانه الدموع إلى أعماق قلبه ثم قال (للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أن يسند رأسه) فقالت راحيل هكذا قال يسوع الناصري عن نفسه عندما طلب إليه أحد الكتبة أن يتبعه إلى حيث يذهب.

فأجاب الشاب وهكذا يقول كل من يريد أن يتبع الروح والحق في هذا الجيل المملوء بالكذب والرياء والفساد.

١٠٧

فسكتت راحيل مفكرة بمعنى كلماته ثم قالت بشيء من التردُّد.ولكن في الدير غرف عديدة رحبة، وخزائن طافحة بالذهب والفضة، وأقبية مملوءة بالغلة والخمور، وزرائب غاصَّة بالعجول والكبوش المسمنة، فأي أمر جعلك تترك جميع هذه الأشياء وتخرج في مثل هذه الليلة؟»

فقال الشاب متنهدًا. قد تركت جميع هذه الأشياء وخرجت كرهًا من الدير.

فقالت راحيل(إن الراهب في الدير نظير الجندي في ساحة الحرب يزجره رئيسه فينحني صامتًا ويأمره فيطيع مسرعًا، وقد سمعت بأن الرجل لا يصير راهبًا إلا إذا نزع عنه الإرادة والفكر والميل وكل ما يختص بالنفس، ولكن الرئيس الصالح لا يطلب من مروءُوسيه فوق طاقتهم

١٠٨

فكيف يطلب منك رئيس دير قزحيا أن تسلم حياتك إلى العواصف والثلوج؟)

فأجاب الشاب «إن الرجل لا يصير راهبًا في عرف رئيسه إلا إذا كان مثل آلة عمياء خرساء فاقدة الحس والقوة، أما أنا فقد خرجت من الدير لأنني لست آلة عمياء بل إنسانًا يرى ويسمع».

فأحدقت به راحيل ومريم كأنهما قد رأتا في وجهه سرًّا خفيًّا يريد كتمانه، وبعد هنيهة قالت الوالدة مستغربة «أيخرج الإنسان الذي يرى ويسمع في مثل هذه الليلة التي تعمي العيون وتصم الآذان؟»

فتنهد الشاب وأحنى رأسه على صدره وقال بصوت عميق: «خرجت مطرودًا من الدير»

فقالت راحيل بدهشة: «مطرودًا؟!»

١٠٩

ورددت مريم هذه الكلمة متأوهة.

فرفع الشاب رأسه وقد ندم على إظهاره الحقيقة للمرأتين وخاف أن تتحول رأفتهما عليه إلى استياء واستهجان، ولكنه نظر فرأى في عينيهما أشعة الشفقة متموجة مع محبة الاستطلاع فقال بصوت مخنوق: «نعم خرجت مطرودًا من الدير لأنني لم أستطع أن أحفر قبري بيدي لأن قلبي قد تعب في داخلي من متابعة الكذب والرياء؛ لأن نفسي أبت أن تتنعم بأموال الفقراء والمساكين، لأن روحي قد امتنعت عن التلذذ بخيرات الشعب المستسلم إلى الغباوة. خرجت مطرودًا لأن جسدي لم يعد يجد راحة في الغرف الرحبة التي بناها سكان الأكواخ؛ لأن خوفي لم يعد يقبل الخبز المعجون بدموع اليتيم والأرملة، لأن لساني لم يعد يتحرك بالصلاة

٠١١

التي يبيعها الرئيس بأموال المؤمنين والبسطاء. خرجت مطرودًا كالأبرص القذر؛ لأنني رددت على مسامع القسس والرهبان آيات الكتاب الذي جعلهم قسسًا ورهبانًا»

وسكت الشاب وظلت راحيل ومريم ناظرتين إليه مستغربتين كلامه محدقتين بوجهه الجميل الحزين متلفتتين بين الآونة والأخرى إلى بعضهما كأنهما تتساءلان بالسكينة عن الأسباب الغريبة التي جاءت به إليهما، حتى إذا ما نمت محبة الاستقصاء في قلب الوالدة نظرت إليه بانعطاف وسألته قائلة «أين أبوك وأمك يا أخي؟ هل هما حيان»

فأجاب الشاب والغصات الموجعة تقطع ألفاظه: ليس لي أب ولا أم ولا أخت ولا مسقط رأس.

فتنهدت راحيل متأثرة وحولت مريم وجهها نحو

١١١

الحائط لتخفي دمعة محرقة استقطرتها الشفقة من أجفانها، فنظر إليهما الشاب نظرة المغلوب إلى منجده وقد انتعشت نفسه برقة عواطفهما مثلما تنتعش الزهرة النابتة بين الصخور عندما يسكب الصباح قطرات الندى في قلبها، ثم رفع رأسه وقال مات أبي وأمي قبل أن أبلغ السابعة من عمري فأخذني كاهن القرية التي وُلِدْتُ فيها إلى دير قزحيا، فسُرَّ الرهبان بي وجعلوني راعيًا للبقر ولما بلغت الخامسة عشرة ألبسوني هذا الثوب الأسود والخشن وأوقفوني أمام المذبح قائلين أَقْسِمْ بالله وقديسيه بأنك قد نذرت الفقر والطاعة والعفة. فرددت كلامهم قبل أن أفهم مفاد كلامهم، وقبل أن أدرك معاني الفقر والطاعة والعفاف، وقبل أن أرى السبيل الضيقة التي سيَّروني عليها. كان اسمي خليلًا فصار الرهبان منذ ذلك

١١٢

الحين يدعونني الأخ مبارك ولكنهم لم يعاملونى قط كأخٍ لهم، كانوا يتنعمون باللحوم والمآكل الشهية ويطعمونني الخبز اليابس والبقول المجففة ويتلذذون بالخمور والمشارب الطيبة ويسقونني الماء ممزوجًا بالدموع، ويتضجعون على الأسرة الناعمة وينيمونني على فراش حجري في غرفة مظلمة باردة بجانب زرائب الخنازير فكنت أقول في نفسى: متى أصير راهبًا يا ترى فأشارك هؤلاء السعداء بغبطتهم، وأصبح خليقًا بملذاتهم ومسراتهم فلا تقطع قلبي رائحة الطعام، ولا تعذب كبدي ألوان الخمور، ولا ترتعش روحي لصوت الرئيس. ولكن باطلًا كنت أتمنى وأحلم لأنني بقيت أرعى البقر في البَرِّيَّة وأنقل الحجارة الثقيلة على ظهري وأحفر التراب بساعدي، بقيت أفعل كل ذلك لبقاء الخبز الدنيء والمأوى الضيق لأنني لم أكن أعلم بأنه يوجد

١١٣

مكان غير الدير يمكن أن أعيش فيه لأنهم علَّمُوني الكفر بكل شيء إلا معيشتهم، وسمَّموا نفسي بنقيع اليأس والاستسلام حتى ظننت بأن هذا العالم هو بحر أحزان وشقاء وأن الدير هو ميناء الخلاص.

واستوى خليل جالسًا وانبسطت ملامحه المنقبضة، ونظر كأنه رأى شيئًا جميلًا منتصبًا أمامه في ذلك الكوخ. أمَّا راحيل ومريم فلبثتا صامتتين محدقتين به وبعد هنيهة عاد فقال: إن السماء التي شاءت فأخذت والدي ونفتني يتيمًا إلى الدير لم تشأ أن أصرف العمر كله كالأعمى السائر في المعابر الخطرة، ولم تَرْضَ بأن أكون عبدًا تعسًا متصاغرًا إلى نهاية الحياة، ففتحت عينيَّ وأذنيَّ وأرتني النور مشعشعًا وأسمعتني الحقيقة متكلمة.

فهزت راحيل رأسها إذا ذاك وقالت: أيوجد نور

١١٤

غير النور الذي تسكبه الشمس على جميع الناس، وهل بإمكان البشر أن يعرفوا الحقيقة؟

فأجاب خليل قائلًا: النور الحقيقي هو ذاك الذي ينبثق من داخل الإنسان، ويبين سرائر النفس للنفس ويجعلها فارحة بالحياة مترنمة باسم الروح، أما الحقيقة فهي كالنجوم لا تبدو إلا من وراء ظلمة الليل. الحقيقة هي مثل جميع الأشياء الجميلة في هذا العالم لا تظهر مفاعليها المستحبة إلا لمن شعر بتأثيرات البطل القاسية، الحقيقة هي تلك العاطفة الخفية التي تعلمنا أن نفرح بأيامنا وتجعلنا نتمنى ذلك الفرح نفسه لجميع الناس.

فقالت راحيل: «كثار هم الذين يعيشون حسب العاطفة الخفية الكائنة في قلوبهم، وكثار هم الذين يعتقدون بأن هذه العاطفة هي ظل الناموس الذي سَنَّهُ

١١٥

الله للإنسان. ولكنهم لا يفرحون قط بأيامهم بل يظلون تعساء حتى الموت.

فأجابها خليل قائلًا: باطلة هي الاعتقادات والتعاليم التي تجعل الإنسان تعسًا في حياته، وكذابة هي العواطف التي تقوده إلى اليأس والحزن والشقاء؛ لأن واجب الإنسان أن يكون سعيدًا على الأرض وأن يعلم سبل السعادة ويكرز باسمها أينما كان، ومن لا يشاهد ملكوت السموات في هذه الحياة لن يراه في الحياة الآتية؛ لأننا لم نجئ هذا العالم كالمنفيين المرزولين بل جئنا كالأطفال الأغبياء لكي نتعلم من محاسن الحياة وأسرارها عبادة الروح الكلي الخالد واستطلاع خفايا نفوسنا. هذه هي الحقيقة التي عرفتها عندما قرأت تعاليم يسوع الناصري وهذا هو النور الذي انبثق من داخلي وأبان لي الدير

١١٦

ومن فيه كهوة مظلمة تنبعث من أعماقها الأشباح المخيفة لتميتني، هذا هو السر الخفي الذي أعلنته البَرِّيَّةُ الجميلة لنفسي عندما كنت أجلس جائعًا باكيًا متأوِّهًا في ظل الأشجار؛ ففي يوم وقد سكرت نفسي من هذه الخمرة السماوية تشجعت ووقفت بين الرهبان إذ كانوا جالسين في حديقة الدير مثلما تربض البهائم المتخومة وأخذت أبين لهم أفكاري وأتلو على مسامعهم آيات الكتاب التي تبين ضلالهم وكفرهم. قلت لهم (لماذا نصرف الأيام في هذه الخلوة متمتعين بخيرات الفقراء والمساكين مستطيبين الخبز المعجون بعرق جبينهم ودموع أجفانهم متلذذين بغلة الأرض المسلوبة منهم- لماذا نعيش في ظلال التواني والكسل مبتعدين عن الشعب المحتاج إلى المعرفة حارمين البلاد قوى نفوسنا وعزم سواعدنا إن يسوع

١١٧

الناصري قد بعثكم كالخراف بين الذئاب فأي تعاليم جعلتكم تصيرون كالذئاب بين الخراف. لماذا تبتعدون عن البشر وقد خلقكم الله بشرًا؟ إذا كنتم أفضل من الناس السائرين في موكب الحياة فعليكم أن تذهبوا إليهم وتعلموهم وإن كانوا أفضل منكم فامتزجوا بهم وتعلموا. كيف تنذرون الفقر وتعيشون كالأمراء وتنذرون الطاعة وتتمردون على الإنجيل وتنذرون العفة وقلوبكم مفعمة بالشهوات... أنتم تتظاهرون بقتل أجسادكم ولكنكم لا تقتلون غير نفوسكم، وتتظاهرون بالترفع عن العالميات وأنتم أكثر الناس طمعًا. وتتظاهرون بالتَّنَسُّكِ والتَّقَشُّفِ وأنتم كالبهائم المشغولة عن المعرفة بطيب المرعى. تعالوا نعيد أراضي الدير الوسيعة إلى سكان هذه القرى المحتاجين ونرجع إلى جيوبهم الأموال التي أخذناهامنهم، تعالوا نتفرق إلى

١١٨

كل ناحية مثلما تتفرق أسراب الطيور فنخدم الشعب الضعيف الذي جعلنا أقوياء، ونصلح البلاد التي نعيش بخيراتها، ونعلم هذه الأمة التعسة أن تبتسم لنور الشمس وتفرح بمواهب السماء ومجد الحياة والحرية؛ لأن المتاعب التي نجدها بين الناس هي أجلُّ وأجمل من الراحة التي نستسلم إليها في هذا المكان، والرأفة التي نلامس بها قلب القريب هي أسمى من الفضيلة المختبئة في قراني الدير، وكلمة التعزية التي نقولها على مسامع الضعيف والمجرم والساقطة هي أشرف من الصلاة الطويلة التي نرددها في الهيكل)

وسكت خليل دقيقة مسترجعًا أنفاسه ثم رفع عينيه نحو راحيل ومريم وقال بصوت هادىءٍ

كنت أتكلم بهذه الأشياء وما يشابهها أمام الرهبان

١١٩

وهم سامعون ودلائل الاستغراب بادية على وجوههم كأنهم لم يصدقوا بأن فتًى مثلي يقف بينهم ويتكلم متجاسرًا بمثل هذا الكلام حتى إذا ما انتهيت اقترب أحدهم وقال صارفًا أسنانه (أتتجرأ أيها الضعيف وتتلفظ أمامنا بمثل هذا الكلام) واقترب آخر وقال ضاحكًا مستهزئًا (هل تعلمت هذه الحكمة من البقر والخنازير التي رافقتها كل أيام حياتك) وجاء آخر وقال متوعدًا(سوف ترى ما يحل بك أيها الخبيث الكافر) ثم تفرقوا عني إلى كل ناحية مثلما يبتعد الأصحاء عن الأبرص، وذهب بعضهم وشكوني إلى الرئيس فاستدعاني عند غروب الشمس وبعد أن وبخني بقساوة على مسمع من الرهبان المبتهجين أمر بجَلدي فجلدت بسياط من المرس، ثم حكم بسجني شهرًا كاملًا، فاقتادني الرهبان متقهقهين فرحين إلى غرفة رطبة مظلمة ... انقضى الشهر وأنا مطروح في ذلك القبر لا أرى النور ولا أشعر بغير دبيب الحشرات ولا ألمس سوى التراب ولا أعرف نهاية الليل من بدء النهار ولا أسمع سوى

١٢٠

وطء أقدام أحد الرهبان عندما يجيء ويضع بقربي كسرة من الخبز اليابس العطن وطاسًا من الماء الممزوج بالخل، ولما خرجت من ذلك السجن ورأى الرهبان نحول جسدي واصفرار وجهي توهموا بأن أميال نفسي قد ماتت في داخلي وأنهم بالجوع والعطش والعذاب قد قتلوا العاطفة التي أحياها الله في قلبي ... مرت الأيام أثر الليالي وأنا أجهد النفس مفكرًا في ساعات انفرادي بما يجعل أولئك الرهبان يرون النور ويسمعون نغمة الحياة، ولكن باطلًا كنت أفتكر وأفتكر، لأن الغشاء الكثيف الذي حاكته الأجيال الطويلة على بصائرهم لا تمزقه الأيام القليلة، والطينة التي طلت بها الغباوة آذانهم قد تَحَجَّرَتْ فلا تزيلها ملامس الأصابع الناعمة»

وبعد سكينة مملوءة بالتنهدات رفعت مريم رأسها والتفتت نحو والدتها كأنها تستأذنها بالكلام ثم نظرت بكآبة نحو خليل وسألته قائلة: «هل عدت وتكلمت ثانية

١٢١

أمام الرهبان فطردوك من الدير في هذه الليلة المخفية التي تعلم الإنسان أن يكون رؤوفًا ورفوقًا حتى بأعدائه؟

فقال الشاب «في هذا المساء عندما تعاظم هول العاصفة وابتدأت العناصر تتحارب في الفضاء جلست منفردًا عن الرهبان المستدفئين حول النار والمشغولين بسرد الحوادث والحكايات المضحكة وفتحت الإنجيل متأملًا بتلك الأقوال التي تستميل النفس وتنسيها غضب الطبيعة وقساوة العناصر، ولما رآني الرهبان بعيدًا عنهم اتخذوا انفرادي سببًا للسخرية بي، فجاء بعضهم ووقفوا بقربي وأخذوا يتغامزون ويضحكون ويشيرون نحوي مستهزئين، فلم أحفل بهم بل أطبقت الكتاب وبقيت ناظرًا من النافذة، فتململوا لذاك غيظًا ونظروا إليَّ شزرًا لأن سكوتي قد أيبس عواطفهم ثم قال أحدهم ساخرًا (ماذا تقرأ أيها المصلح العظيم) فلم أرفع عيني نحو المتكلم بل فتحت الإنجيل وقرأت منه بصوت عالٍ هذه الآية (وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا منه يا أولاد

١٢٢

الأفاعي مَن أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا تقولون في نفوسكم إن لنا إبراهيم أبًا لأني أقول: لكم إن الله قادر على أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم، والآن وقد وضعت الفأس على أصل الشجرة فكل شجرة لا تعطي ثمرًا جيدًا تُقطع وتُلقى في النار. وسأله الجموع قائلين: فماذا نفعل؟ فأجاب وقال لهم من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل هكذا) عندما قرأت هذه الكلمات التي قالها يوحنا المعمدان سكت الرهبان دقيقة كأن يدًا خفية قد قبضت على أرواحهم ولكنهم عادوا وقهقهوا ضاحكين ثم قال أحدهم (قد قرأنا هذا الكلام مرات عديدة ولسنا نحتاج لرعاة البقر أن يرددوه على مسامعنا) فقلت (لو كنتم تقرأون هذه الآيات وتفهمونها لما كان سكان هذه القرى المغمورة بالثلوج يتأفَّفُون بردًا ويتضورون جوعًا وأنتم ههنا تتمتعون بخيراتهم وتشربون عصير كرومهم وتأكلون لحوم مواشيهم) ..لم تخرج هذه الألفاظ من

١٢٣

بين شفتيَّ حتى صفعني أحد الرهبان على وجهي كأني لم أتكلم بغير الحماقة، ثم رفسني آخر برجله وآخر انتزع الكتاب من يدي، وآخر نادى الرئيس فجاء مسرعًا وإذ أخبروه بما جرى تعالت قامته وزوى ما بين عينيه وارتجف غضبًا وصرخ بأعلى صوته (اقبضوا على هذا الشرير المتمرِّد وجروه بعيدًا عن الدير، ودعوا العناصر الغضوبة تعلمه الطاعة، أخرجوه إلى الظلمة الباردة لتفعل به الطبيعة مشيئة الله، ثم اغسلوا أكُفكم خوفًا من سموم الكفر المتعلقة بأثوابه وإن عاد متضرعًا متظاهرًا بالتوبة فلا تفتحوا له الأبواب؛ لأن الأفعى إذا سجنت في القفص لا تنقلب حمامة والعليقة إذا غُرست في الكرم لا تثمر تينًا)..

حينئذٍ قبض الرهبان عليَّ وجروني بعنف إلى خارج الدير وعادوا ضاحكين وقبل أن يوصدوا الأبواب سمعت أحدهم يقول ساخرًا (كُنتَ بالأمس ملكا وكانت رعيتك البقر والخنازير، وقد خلعناك اليوم أيها المصلح لأنك أسأت السياسة فاذهب الآن وكن ملكًا على الذئاب الجائعة

١٢٤

والغربان المتطايرة وعلِّمْهَا كيف يجب أن تعيش في كهوفها وأوجرتها)

وتنهد خليل تنهيدة عميقة ثم حوَّل وجهه ونظر إلى النار المتأججة في الموقد، وبصوت جارح بحلاوته قال (هكذا طردت من الدير، وهكذا سلمني الرهبان إلى يد الموت فسرت والضباب يحجب الطريق عن بصري والأرواح الشديدة تمزِّق أثوابي والثلوج المتراكمة تتمسك بركابي حتى وَهَنت قواي فسقطت مستغيثًا صارخًا صراخ يائس شعر بأنه لا يوجد من يسمعه سوى الموت المخيف والأودية المظلمة، ولكن من وراء الثلوج والأرياح، من وراء الظلمة والغيوم، من وراء الأثير والكواكب ومن وراء كل شيء قوة هي كل معرفة وكل رحمة قد سمعت صراخي وندائي فلم تشأ أن أموت قبل أن أتعلم ما بقي من سرائر الحياة فبعثتكما إليَّ لكي تسترجعاني من أعماق الهاوية والعدم)

١٢٥

وسكت الشاب والامرأتان تنظران إليه بانعطاف وإعجاب وشفقة كأن نفسيهما قد فهمتا خفايا نفسه واشتركتا معها بالشعور والمعرفة، وبعد هنيهة مدت راحيل يدها أسر إرادتها ولمست يده بلطف وقالت والدموع تتلمع في عينيها: ان من تختاره السماء نصيرًا للحق لا تفنيه المظالم ولا تميته الثلوج والعواصف.

وهمست مريم قائلة: إن العواصف والثلوج تُفْنِي الزهور ولكنها لا تميت بذورها

فقال خليل وقد أنارت التعزية وَجْهَهُ المُصْفَرَّ مثلما تنير أشعة الفجر خطوط الأفق إن كنتما لا تحسباني متمردًا وكافرًا كما يحسبني الرهبان يكون الاضطهاد الذي لقيته في الدير رمزًا للشدة التي تعانيها الأمة قبل بلوغها المعرفة، وتكون هذه الليلة التي كادت تميتني شبيهة بالثورات التي تتقدم الحرية والمساواة لأن من قلب

١٢٦

الامرأة الحساس تنبثق سعادة البشر ومن عواطف نفسها الشريفة تتولَّد عواطف نفوسهم.

قال هذا واتَّكَأَ على الوسادة فلم تشأ الامرأتان متابعة الحديث لأنهما عرفتا من نظراته بأن النعاس المتولد من الراحة والاستدفاء بعد عناء المسير قد راود عينيه.

ولم تمر بضع دقائق حتى أغمض خليل أجفانه ونام كالطفل المستأمن على ذراعي أمه، فقامت راحيل بهدوء واتبعتها مريم وجلستا على فراشهما تنظران إليه كأن في وجهه الذابل جاذبًا يستميل روحيهما ويحيط بقلبيهما، ثم همست الوالدة كأنها تتكلم مع نفسها وقالت: في عينيه المطبقتين قوة غريبة تتكلم بالسكينة وتنبه أميال النفس.

وقالت الابنة: يداه يا أماه مثل يدي صورة يسوع الموجودة في الكنيسة.

فهمست الوالدة: «على وجهه الكئيب ظاهرة رقة

١٢٧

الامرأة وقوة الرجل).

وحملت أجنحة الكرى روحي الامرأتين إلى عالم الأحلام وخمدت النار في الموقد وتحولت إلى رماد، ثم جف زيت السراج فشح نوره ببطء ثم انطفأ، وظلت العاصفة الغضوبة تضج خارجًا والجو القاتم ينثر رقع الثلوج والأرياح العنيفة تقذفها يمينًا وشمالًا.