كان الشيخ عباس بين سكان تلك القرية المنزوية في شمال لبنان كالأمير بين الرعية، وكان منزله القائم بين أكواخهم الحقيرة يشابه الجبار الواقف بين الأقزام. وكانت معيشته ممتازة عن معيشتهم بميزة السعة عن العوز وأخلاقه مختلفة عن أخلاقهم باختلاف القوة عن الضعف.
إن تكلم الشيخ عباس بين أولئك الفلاحين أحنوا رؤوسهم إعجابا كأن القوى العقلية قد انتدبته ممثلًا لها واتخذت لسانه ترجمانًا عنها، وإن غضب ارتجفوا جزعًا وتبددوا من أمام وجهه مثلما تتراكض أوراق الخريف
٩٢
أمام الأرياح وإن صفع خَدَّ رجل منهم ظل ذلك الرجل جامدًا صامتًا كأن الضربة قد أتت من السماء؛ فمن الكفر أن يتجاسر أو يرفع عينيه ليرى من أنزلها. وإن تبسم لرجل آخر قال الجميع ما أسعده فتى رضي عنه الشيخ عباس.
ولم يكن استسلام أولئك المساكين إلى الشيخ عباس وخوفهم قساوته صادرين عن ضعفهم وقوته فقط، بل كانا ناتجين عن فقرهم واحتياجهم إليه؛ لأن الحقول التي كانوا يحرثونها والأكواخ التي يسكنونها كانت مِلكَهُ وقد ورثها عن أبيه وجده مثلما ورثوا الفقر والتعاسة من آبائهم وجدودهم، فكانوا يفلحون الأرض ويزرعونها ويحصدونها تحت مراقبته ولا يحصلون لقاء أتعابهم وجهادهم إلا على جزء من الغلة لا يكاد ينقذهم من أظافر الجوع، قد كان أكثرهم يحتاج الخبز قبل انقضاء أيام
٩٣
الشتاء الطويلة فيذهب إليه الواحد بعد الآخر ويتضرع أمامه باكيًا مستعطفًا لكي يقرضه دينارًا أو مكيالًا من الحنطة فكان الشيخ عباس يجيب سؤالهم مسرورًا لعلمه بأنه سيستوفي الدينار دينارين ومكيال الحنطة مكيالين عندما تجيء أيام البيادر والموسم. وهكذا كان يبقى أولئك التعساء مُثْقَلِينَ بديون الشيخ عباس مكبلين بحاجتهم إليه خائفين غضبه طالبين رضاه.