الأرواح المتمردة · جبران خليل جبران

Chapter 11: خليل الكافر — 8

مر شهران وخليل يكب سرائر روحه في قلوب اولئك القرويين محدثا اياهم في كل يوم عن غوامض حقوقهم وواجباتهم مصورا لبصائرهم حياة الرهبان الطامعين مرددا على مسامعهم اخبار الحكام القساة جاعلاً بين عواطفه وعواطفهم صلة قوية شبيهة بالنواميس الازلية التي تقيد الاجرام ببعضها . فكانوا يصفون اليه بفرج يضارع بهجة الحقول الظمانة بانهطال الامطار ويرددون كلامه في خلوتهم ملبسين نسمات مقاصده اجسادا من محبتهم غير حافلين بالخوري الياس الذي اصبح يتزلف اليهم منذ ظهور جريمة حليفه الشيخ ويقترب منهم لينا كالشمع بعد ان كان صلباً كالرخام

اما الشيخ عباس فقد اصيب بعلة في نفسه شبيهة بالجنون فكان يسير ذهاباً واياباً في رواق منزله كالنمر المسجون وينادي خدامه باعلى صوته فلا يجيبه غير الجدران ويصرخ مستنجدا برجاله فلا يأتي لمعونته غير زوجته المسكينة التي عانت من خشونة طباعه ما قاساه الفلاحون من مظالمه واستبداده . ولما جاءت ايام الصوم واعلنت السماء قدوم الربيع انقضت ايام الشيخ بانقضاء زوابع الشتاء فمات بعد بنزاع موجع مخيف وذهبت روحه محمولة على بساط اعماله لتقف عارية امام ذلك العرش الذي نشعر بوجوده ولا نراه وقد اختلفت اراء الفلاحين في سبب موته فكان بعضهم يقول قد اختلت شعوره فقضى مجنوناً وبعضهم يقول قد سممم اليأس حياته عندما زالت سطوته فمات منتحراً اما النساء اللواتي ذهبن لتعزية زوجته فأخبرن رجالهن با نه مات خائفا مرتاءا لان شبح سمعان الرامي كان يظهر له مرتدياً اثواباً ملطخة بالدماء ويقوده كرها عندما ينتصف الليل إلى المكان الذي وجد فيه مصروعاً منذ ه أعوام.

. . . . .

واعلنت ايام نيسان لسكان تلك القرية سرائر الحب الخفية الكائنة بين روح خليل وروح مريم ابنة راحيل فتهللت وجوههم فرحاً ورقصت قلوبهم ابتهاجا ولم يعودوا يخشون ذهاب الشاب الذي ايقظ قلوبهم الى محبط اوسع وارقى من وسطهم . فطافوا يبشرون بعضهم بعضاً بصيرورته جاراً قريباً ومهرا محبوباً لكل واحد منهم

ولما جاءت ايام الحصاد خرج الفلاحون الى الحقول وجمعوا الاغمار على البيادر ولم يكن الشيخ عباس هناك ليغتصب الغلة ويحملها الى اهورائه ومخازنه بل كان كل من الفلاحين يستغل الحقل الذي فلحه وزرعه فامتلات تلك الاكواخ من القمح والذراة والخمر والزيت

اما خليل فكان يشاطرهم الاتعاب والمسرات ويساعدهم بجمع الغلة وعصر العنب واجتناء الاثمار . ولم يكن يميز نفسه عن الواحد منهم إلا بمحبته ونشاطه

منذ تلك السنة إلى أيامنا هذه أصبح كل فلاح في تلك القرية يشتغل بالفرح الحقل الذي زرعه بالاتعاب ويجمع بالمسرة أثمار البستان الذي غرسه بالمشقة. فصارت الأرض ملكًا لمن يفلحها والكروم نصيبًا لمن ينقبها ويحرثها

والآن قد انقضى نصف قرن على هذه الحادثة. وراودت اليقظة أجفان اللبنانيين. يمر المسافر على طريقه إلى غابة الأرز ويقف متاملًا بمحاسن تلك القرية الجالسة كالعروس على كتف الوادي فيرى اكوخها قد صارت بيوتا جميلة مكتنفة بالحقول الخصبة والحدائق الناضرة. وإن سأل أحد سكانها عن تاريخ الشيخ عباس يجيبه مشيرًا نحو حجارة منقوضة وجدران مهدومة وأعمدة مرتمية قائلًا „هذا قصر الشيخ عباس وهذا هو تاريخ حياته“. وإن سأله عن خليل يرفع يده إلى العلاء قائلًا „هناك يسكن خليلنا الصالح أما تاريخ حياته فقد كتبه آباؤنا بأحرف من شعاع على صفحات قلوبنا فلن تمحوه الأيام والليالي“

The end.